السيد كمال الحيدري

122

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

يلزم جبرٌ لأنّ إحاطته تعالى بكلّ شئ إحاطة بما هو عليه ، والفعل الاختياري في نفسه اختيارىّ ، فهو المحاط المنسوب إليه تعالى وإلى العبد » « 1 » . هكذا تفترق هذه القراءة عن التي سبقتها بأنّها تسند الفعل إلى الله سبحانه مباشرة وحقيقة كما تسنده إلى فاعله الإنسانى ، لكن مع حفظ الجهة ، حيث يكون لكلّ فعل جهتان : جهة وجود ، وجهة ما يأخذه من عناوين الطاعة والمعصية ، والقبح والحسن ونحو ذلك ممّا سلفت الإشارة إليه . لو بحثنا عن الأساس النظري الذي ترتكز إليه هذه القراءة لرأيناه يكمن في طبيعة الفهم الذي تقدّمه مدرسة الحكمة المتعالية إلى العلاقة ما بين العلّة والمعلول ، حيث ذهب هذا الاتجاه الفلسفي إلى أنّ المعلول هو عين الربط والحاجة إلى الله سبحانه . هذا الأساس يبدو واضحاً فيما كتبه الطباطبائي بهذا الشأن ، وهو يقول : « من طريق آخر : قد تبيّن في مباحث العلّة والمعلول أنّ وجود المعلول بالنسبة إلى العلّة وجود رابط غير مستقلّ متقوّم بوجود العلّة ، فالوجودات الإمكانية كائنة ما كانت روابط بالنسبة إلى وجود الواجب بالذات ، غير مستقلّة منه ، محاطة له ، بمعنى ما ليس بخارج . فما في الوجود إلّا ذات واحدة مستقلّة به تتقوّم هذه الروابط وتستقلّ . فالذوات وما لها من الصفات والأفعال ، أفعال له » « 2 » . يكشف هذا النصّ عن مسعىً لتأسيس قراءة جديدة للأمر بين الأمرين يقوم على أساس نظرية الإمكان الفقرى والوجودى لصدر الدين الشيرازي ، التي ترى في عالم الإمكان وجوداً في غيره لا وجوداً في نفسه كما يذهب إلى ذلك الاتجاه الفلسفي المشائى الذي تستند إليه القراءة الأولى . هكذا تغدو نسبة الفعل إلى الفاعل المباشر وإلى الله

--> ( 1 ) الحكمة المتعالية ، ج 6 ، هامش ص 372 بقلم السيّد الطباطبائي . ( 2 ) نهاية الحكمة ، مصدر سابق ، ص 301 .